حسن الأمين

199

مستدركات أعيان الشيعة

معاهدة الصلح وفي صباح 21 ذي الحجة حضر ، بأمر من نادر شاه . إلى قصر « محمد شاه » في « باغ شليمار » كل عظماء الدولة والجيش الإيرانيين والهنود . وحضر « محمد شاه » ووزراؤه مشاة . وهناك أمضى الملكان « معاهدة شليمار » المعقودة بينهما ، بحضور رؤساء الجيش الإيراني ووزراء الهند ورجال بلاطها وحكام محافظاتها وعلمائها . فلما وقع الملكان على المعاهدة صاح الجميع « شاد باش » ، ثم انقضى المجلس . وهذا نص المعاهدة : « سبق أن أرسل وزراء صاحب الجلالة ، بهرام الصولة ، مريخ السطوة ، بطل الزمان ، سلطان سلاطين الأوان ، ملك ملوك العالم ، ظل الله ملاذ المسلمين ، إسكندر العظمة ، سمك السرير ، السلطان العادل المنصف والملك السماوي الفطرة ، نادر شاه أفشار خلد الله ملكه وسلطانه ، سفراء كبارا إلى هذا البلاط لتسوية بعض الأمور . وكنا نحن أيضا نرغب في الوفاق . وبعد ذلك قدم أيضا محمد خان تركمان من قندهار للتذكير . ولكن وزراءنا وممثلينا ماطلوا أولئك السفراء وأخروا جواب رسالة صاحب الجلالة المعظم . ومن هذه الطريق حصل نقار وسار جيشه المظفر إلى حدود الهند وتلاقينا في نقاط مختلفة وفي صحراء كرنال . فاتقدت حرب عارمة . ومن هناك طلعت ، بتقدير إلهي ، شمس الانتصار والظفر من مشرق إقباله الذي لا يزول . وإذ كان صاحب الجلالة جمشيد القدرة المعظم منبع الرأفة والفتوة فقد حصلت مسرة الملاقاة بالاعتماد على شهامته والاتكال على صحبته وحصلت بهجة الحديث في محفل كالفردوس . وبعد ذلك ترافقنا إلى شاه جهان ( دهلي ) . وهناك عرضنا على نظره خزانة سلاطين الهند وجواهرها لنفيسة وأهديناها كما يليق إليه . وقبل صاحب الجلالة المعظم بعضها بالتماس منا ، وأبقى عرش الهند وتاجها في تصرفنا من علو همته وفرط محبته والتفاته إلى عظمة السلالة الجرجانية وشرف شجرة طرخان . وفي إزاء هذه الملاطفة التي لا تصدر من أب إلى ابنه ولا من أخ إلى أخيه نضع في تصرف دولة إيران العلية خمسين ومائة كرور تومان ( الكرور : خمسمائة ألف ) خسائر الحرب وكل الأملاك الواقعة في غرب نهر آت [ تلك ] تك وماء السند ونالاسنك وهو شعبة من شعب نهر السند يعني بيشاور وملحقاتها وإيالة كابل وغزنة وكوهستان وأفغانستان وهزارجات ودربندها مع قلعة بكرسنك وخدا داد وأراضي دربندها ومساكن الجوكيين والبلوش وغيرها وإيالة تنه قلعة رام وقرية تربين وبلدة رشن وسموالي وكترا مع كل الأراضي والقرى والقلاع والبنادر من ابتداء منبع نهر آت تك إلى نالاسنك حيث مصب النهر في البحر وكل القلاع والبلدان التي يحيط بها نهر آت تك وفروعه أي أن كل الأماكن الواقعة في غربي نهر آت تك وتلك النواحي وغربي نهر السند ونالاسنك هي جزء من أملاك هذا الملك القوي الشوكة . ومن هذا التاريخ فصاعدا يدخل عماله وموظفوه النواحي المذكورة ويتصرفون بها ويتولون الحكومة والولاية عليها وعلى أهلها . وعلى عمالنا وموظفينا إخلاء النواحي المذكورة وأن يعدوها خارجة عن أملاكنا ويعلموا أن كل حقوقهم الحالية والماضية هناك قد سقطت . وقلعة لهري بندر وكل الأملاك الواقعة في شرقي نهر آت تك ونهر السند ونالاسنك هي كما في السابق جزء من سلطنة الهند . في باغ شليمار - مؤرخة في 11 المحرم الحرام سنة 1152 هجرية - محمد شاه التيموري - نادر شاه أفشار » . وفي الثالث من صفر سنة 1152 هيا نادر شاه مجلسا ملوكيا بالأبهة والفخامة ، ودعا إليه « محمد شاه » وسائر أعيان الهند . فلما استقر بهم المقام أخذ بيده تاج سلطان الهند ووضعه على رأس « محمد شاه » ونطقه بسيف وخنجر مرصعين ، وألبسه ، جريا على عادة سلاطين الهند ، وشاحا مرصعا بالجواهر . فشكره « محمد شاه » بهذه الكلمة : « لقد أعطاني شاهنشاه إيران تاج ملك الهند وعرشه ، فكان ذلك منه سماحة وعلو نفس . وإن إعادتهما إلى يجعل الأسرة الجرجانية ترفع رأسها عاليا . وأنا أيضا أعلن على مشهدكم جميعا أني لشكر هذا الجميل الذي لا نظير له ، أسلم الدولة الإيرانية الشاهنشاهية إلى الأبد الأراضي الواقعة على ضفة نهر السند اليمنى ، من بحر عمان إلى منبع نالاسنك ، مع كل مدن تلك الأرض وقلاعها وسهولها وجبالها » . فرد عليه نادر بكلمة نصحه فيها بالاهتمام بشؤون مملكته وتقوية جيشه وضبط حساباته والضرب على يد المتلاعبين من الوزراء ورجال البلاط . وقطع له عهدا بان يسارع إلى نجدته كلما وجد حاجة إلى ذلك . ثم أصدر أمرا بالتوقف عن سك النقد والخطبة باسمه وجعلهما مجددا باسم « محمد شاه » . عودة نادر إلى إيران ولما فرغ نادر من أعماله في الهند عزم على العودة إلى إيران . فبعث بجماعة من النجارين والسفانين إلى كابل وبلخ ليصنعوا له سفنا تحمل جنوده على نهر « جيحون » إلى غزو تركستان وخوارزم . وحمل معه جماعة كبيرة من البنائين والنحاتين والصاغة إذ كان ينوي أن يبني في إيران مدينة كدهلي ، كما حمل معه جماعة من علماء الهند وأكابرها . وفي الثامن من شهر صفر سنة 1152 هترك « دهلي » ، وكان قد أقام فيها ثمانية وخمسين يوما ، في قافلة هائلة فيها ألوف من الدواب ، أفيال وخيل وجمال وبغال . وحملت الذخائر في ثلاثة عشر ألف صندوق . وامتطى نادر حصانا عراقيا واعتمر بقلنسوة حمراء مرصعة ولف على عنقه شالا كشميريا أبيض ، واجتاز شوارع « دهلي » مزهوا مختالا ، ينثر الروبيات بكلتا يديه على رؤوس الناس . وقاسى في عودته شدائد صعابا من الحر والعواصف والأمطار الغزيرة والفيضانات ومقاومة قطاع الطرق ، ومات بهذه العوامل كثير من رجاله . ولما وصل إلى نهر يعرف بنهر « شهناب » هطلت أمطار غزيرة ، وكان جيشه يعبر النهر على جسر أقيم عليه من السفن . فلما عبر منهم إلى الضفة الأخرى ما يقرب من نصفهم كانت حواميل المطر السائلة في النهر قد طغت طغيانا عظيما فتضعضع الجسر ، وهو ينوء بتلك الأحمال الثقيلة من الرجال والعتاد ، وانشق فهوى في الماء أكثر من ألفي جندي وغرقوا . وفي اليوم الثاني جرف التيار كل سفن الجسر . واضطر نادر إلى إقامة جسر آخر جمع سفنه من تلك النواحي ، واستغرق ذلك أربعين يوما . وكان يرافقه حاكم « لاهور » ، فسلم هناك من كان معه من الأسرى الهنود وأمره بالعودة بهم إلى بلادهم ومساعدتهم وتسليمهم إلى أهلهم ، ثم الذهاب إلى « لاهور » مركز عمله . وجاءه خبر من خراسان ، وهو في طريق عودته ، أن والي خوارزم اغتنم فرصة غيبته في الهند فاخذ يجمع جيشا من الأزابكة والأتراك لغزو خراسان ، فعزم على مهاجمة تركستان .